الغزالي

4

إحياء علوم الدين

لا تساوى أكثر من مائتين ، فارجع حتى تردها . فقال هذه تساوى في بلدنا خمسمائة ، وأنا أرتضيها . فقال له يونس انصرف ، فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها . ثم رده إلى الدكان ، ورد عليه مائتي درهم ، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله ، وقال أما استحييت ؟ أما اتقيت الله ؟ تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين ؟ فقال والله ما أخذها إلا وهو راض بها . قال فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك ؟ وهذا ان كان فيه إخفاء سعر وتلبيس ، فهو من باب الظلم . وقد سبق وفي الحديث [ 1 ] « غبن المسترسل حرام » وكان الزبير بن عدي يقول ، أدركت ثمانية عشر من الصحابة ، ما منهم أحد يحسن يشترى لحما بدرهم . فغبن مثل هؤلاء المسترسلين ظلم . وان كان من غير تلبيس ، فهو من ترك الإحسان . وقلما يتم هذا إلا بنوع تلبيس ، وإخفاء سعر الوقت . وإنما الإحسان المحض ما نقل عن السري السقطي ، انه اشترى كرّ لوز بستين دينارا ، وكتب في روزنامجه ثلاثة دنانير ربحه . وكأنه رأى أن يربح على العشرة نصف دينار . فصار اللوز بتسعين ، فأتاه الدلال وطلب اللوز ، فقال خذه ، قال بكم ، فقال بثلاثة وستين . فقال الدلال ، وكان من الصالحين ، فقد صار اللوز بتسعين ! فقال السري ، قد عقدت عقدا لا أحله ، لست أبيعه إلا بثلاثة وستين . فقال الدلال ، وأنا عقدت بيني وبين الله أن لا أغش مسلما ، لست آخذ منك إلا بتسعين . قال فلا الدلال اشترى منه ، ولا السري باعه . فهذا محض الإحسان من الجانبين . فإنه مع العلم بحقيقة الحال وروى عن محمد بن المنكدر ، انه كان له شقق بعضها بخمسة ، وبعضها بعشرة . فباع في غيبته غلامه شقة من الخمسيات بعشرة . فلما عرف لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار ، حتى وجده . فقال له إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوى خمسة بعشرة . فقال يا هذا قد رضيت فقال وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا . فاختر إحدى ثلاث خصال ، إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك ، وإما أن نرد عليك خمسة ، وأما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك . فقال أعطني خمسة ، فرد عليه خمسة ، وانصرف الأعرابي يسأل ويقول